في حدث مجلس الأمريكتين السنوي، التقى حاكم بوينس آيرس أليكسيس كيسيليوف بمديري كبريات الشركات العالمية وألقى خطاباً اتسم بالانتقاد اللاذع للسياسات الاقتصادية للحكومة الحالية برئاسة خافيير ميلي، وسط تبادل التصريحات والاتهامات وتكهنات حول الانتخابات الرئاسية القادمة.

قمة الاقتصاد والأعمال في بوينس آيرس

في 20 و21 أغسطس 2026، احتضن فندق ألفار الفاخر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس فعاليات الدورة السنوية لمجلس الأمريكتين (Council of the Americas)، وهو منتدى اقتصادي هام يجمع نخبة من أكبر المستثمرين وصناع القرار في نصف الكرة الغربي. وقد تحول الحدث إلى ساحة للحديث المكثف عن مستقبل الأرجنتين السياسي والاقتصادي، وذلك بحضور الرئيس التنفيذي للمجلس سوزان سيغال.

جاء هذا الحدث في أعقاب تراجع حالة الاندفاع الاقتصادي في البلاد، لتحل مكانها حالة من القلق والترقب وسط المجتمع التجاري والصناعي، الذي لم يعد يكتفي بانتظار الإشارات الحكومية بل بات يطالب بمواقف وتوضيحات صريحة من المعارضة، في ظل حالة عدم اليقين الكبيرة التي تحيط بالسياسة الأرجنتينية.

ماذا قال كيسيليف؟

أليكسيس كيسيليف، حاكم مقاطعة بوينس آيرس، وهي الأكبر في البلاد من حيث عدد السكان والنشاط الاقتصادي، حضر إلى المنتدى في جلسة خاصة حضرها ممثلون عن عمالقة المال والأعمال مثل جيه بي مورغان، وأيروبويرتوس أرجنتينا، وبان أمريكان إنرجي، وأمازون، وأبل. وقد استمرت مداخلته نحو ساعة كاملة.

"الاستقرار الاقتصادي، نعم، ولكن يجب أن ننظر إلى التكلفة. المسار الاقتصادي الحالي فشل في تحقيق التنمية الإنتاجية."

هذه العبارة المقتضبة لخصت الموقف الحاد الذي يتبناه المعارض الرئيسي، وكرر دعوته إلى رجال الأعمال لزيارته في مقر الحكم في لابلاتا. وجاءت هذه الجولة اللقاءات في إطار استراتيجية الحاكم لتقوية العلاقات مع رؤوس الأموال الكبرى وتأكيد مكانته كشخصية معارضة محورية في المرحلة المقبلة، وهو الدور الذي يتطلع إليه داخل المشهد السياسي الأرجنتيني.

تصعيد الخطاب الرسمي من جانبيب الرئيس

وفي سياق متصل، كان خافيير مايلي، رئيس الأرجنتين، حاضرًا في الحدث، حيث استخدم خطابًا قويًا ومليئًا بالانتقادات والشتائم بهدف الدفاع عن برنامجه الاقتصادي، إلا أن هذه اللهجة صادفت ترحيبًا باردًا من قادة الأعمال الذي اعتبروهما إشارة إلى حالة من عدم الاستقرار التجاري. ويرى مراقبون أن أسلوب مايلي يمثل عدويًا إلى نبرته في عام 2023، لكنه هذه المرة يجعله في مواجهة مع ردود أفعال المستثمرين الذين يفضلون نبرة أكثر توازنًا.

من جهة أخرى، وفي جلسة خاصة مغلقة، صرّح سانتياغو كابوتو، المستشار الرئاسي، للمستثمرين بأنه: "سيتم إعادة انتخاب ميلي"، وأكد أن "نحن لا نرى سيناريو يسمح للبيرونية بالفوز علينا في جولة الإعادة"، داعيًا رجال الأعمال إلى الاستثمار بالمشروع. وقد أدت هذه التصريحات إلى تنشيط النقاشات الخاصة بين المشاركين في أعقاب الجلسات.

اقتصاد حقيقي: ازدهار لبعض القطاعات ومعاناة كبيرة للبعض الآخر

بينما تشهد قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة نمواً بمعدلات مضاعفة، لا تزال الصناعة والتجارة والبناء، وهي التي تمثل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي وتوظف نحو 45% من العمالة الرسمية، تعاني من تحديات حادة. المستثمرون يطالبون بسياسات انتقالية لدعم هذه القطاعات المتضررة، لكن الحكومة تنظر إلى هذه المقترحات بأنها مليئة بالتحيز.

من أبرز النقاط التي أثيرت في هذا الإطار التناقض الظاهري في سياسات الحكومة، حيث يدافع مايلي عن السوق الحر والانفتاح التجاري، وفي نفس الوقت يدعم قانون RIGI (نظام حوافز الاستثمارات الكبيرة) الذي يوفر مزايا ضريبية وجمركية هائلة لمشاريع مختارة، دون أن يقدم تخفيضات مماثلة للمزارعين الذين يواصلون دفع ضرائب التصدير. وقد أشار حاكم مقاطعة سانتا في، ماكسيميليانو بويارو، إلى أن منطقته تسهم بنسبة 46% من إيرادات رسوم التصدير للقطاع الزراعي. كما صرّح رئيس بورصة التجارة في روزاريو، بابلو بورتولاتو، أن الإنتاج الزراعي قد يرتفع إلى 250 مليون طن خلال عقد من الزمن إذا تم إلغاء هذه الرسوم، مقارنة بالمحصول القياسي لموسم 2025/2026 الذي بلغ 163 مليون طن.

جدل الاستهلاك والأرقام

فيما تدعي الحكومة أن الاستهلاك يشهد مستويات قياسية، تشير البيانات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والتعداد (INDEC) إلى تباين كبير في الصورة: حيث انخفضت مبيعات المراكز التجارية الكبرى، فيما ارتفعت المبيعات في المتاجر الصغيرة والأسواق غير الرسمية. وأظهرت أحدث الأرقام عن يونيو 2026 أن دخل العمال غير الرسميين ارتفع بنسبة 35.5% سنويًا، مقابل 30% فقط للعمال الرسميين. بينما بلغ معدل التضخم 33% في نفس الفترة، مما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويثير المخاوف حول استدامة الفائض المالي بسبب انخفاض المساهمات الضريبية.

تفاقم الأزمة: الخلاف بين IOMA ومختبرات الأدوية

تهديدات جديدة تطفو على السطح في ملف صحي حساس، حيث أعلنت غرف مصانع الأدوية (Caeme, Cilfa وCooperala) عن إمهال إدارة صحة مقاطعة بونس آيرس IOMA فترة أقصاها 10 أيام لدفع ديون متراكمة تصل قيمتها إلى 230 مليار بيزو أرجنتيني، والمتراكمة منذ الفترة بين أكتوبر وأبريل الماضيين. وفي حال تخلفت IOMA عن السداد، فإن الاتفاق المبرم، وهو بروتوكول MEPPES الذي يضمن خصمًا للأدوية للمؤمنين والمستفيدين، سيتم تعليقه يوم 31 أغسطس 2026. وتؤكد الحكومة المحلية، من جانبها، أن المفاوضات جارية ولا تستدعي القلق، إلا أن فك التعاقد سيعني رفع أسعار الأدوية على آلاف المواطنين.

أسبوع حاسم وملفاته

تتصدر الجلسة"الأربعاء العظمى" المقبلة في 26 أغسطس جدول الأعمال السياسي، وهي جلسة ستشهد مناقشة: إصلاح الميثاق الأساسي للمصرف المركزي الأرجنتيني، مشروع قانون "البراءة الضريبية الثانية"، والإقرار على الاتفاق التجاري بين ميركوسور وسنغافورة، بالإضافة إلى الانضمام إلى المعاهدة الدولية للتعاون بشأن براءات الاختراع (PCT).

مباحثات أمريكية:

من المقرر أن تزور وفد أمريكي من مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة (USTR) الأرجنتين، بقيادة نائب المدير جيف غوتمن، وسيبحث الطرفان موضوع انضمام الأرجنتين إلى معاهدة PCT، والضغوط الأمريكية المكثفة لمنع صفقات التكنولوجيا الصينية في مجال الاتصالات والأنظمة الأمنية، كما قد تُبحث تعديل بعض القوانين المحلية لتسهيل استيراد الأدوية.

يرى مراقبون أن هذا الحدث البارز يكشف أن جميع الافرقاء يستعدون بقوة لمرحلة انتخابية محورية، وسط مواقف صارمة من كلا المعسكرين وأزمة اقتصادية واجتماعية تفاقم معاناة الأرجنتينيين. وهو ما تتبعه الفاعليات الاقتصادية والسياسية في بوينس آيرس وواشنطن عاصمة.

ملاحظة إضافية:

البيئة في الأرجنتين هي ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، وتواجه عادة تحديات هيكلية متعلقة بالتضخم المرتفع وضغوط الديون.

المصدر الأصلي: La Verdad Online